ميسي ضد رونالدو: الحقيقة المرة قبل صافرة مونديال أمريكا 2026.
رونالدو و"لعنة" تصفيات 2010: حينما خذلت التشكيلة الذهبية القائد!
هل تتخيل أن كريستيانو رونالدو، الفائز لاحقاً بخمس جوائز "كرة ذهبية" والمصنف كأحد أعظم الهدافين في تاريخ كرة القدم، خاض ذات مرة 8 مباريات في تصفيات كأس العالم 2010 دون أن يسجل هدفاً واحداً أو يصنع تمريرة حاسمة؟ نعم، هو "الدون" نفسه الذي نعرفه اليوم، لكنه كان في تلك الفترة بطل واحدة من أكثر القصص غرابة في مسيرته.
في ذلك الوقت، كانت البرتغال تحتل المركز الثالث عالمياً، وتضم تشكيلة مرعبة على الورق؛ نجوماً بحجم ديكو، كارفاليو، بيبي، وناني، وكلهم كانوا ركائز أساسية في أفضل أندية أوروبا. نظرياً، كان هذا الفريق يمتلك كل المقومات للمنافسة على اللقب، إلا أن الواقع كان مختلفاً تماماً.
لقد كادت البرتغال أن تفشل في التأهل لتلك البطولة، ولم تضمن مكانها إلا بفضل صحوة متأخرة لزملائه، حيث حققوا 5 انتصارات وتعادلاً واحداً في آخر 6 مباريات. وبلغت الدراما ذروتها في المباراة النهائية ضد البرازيل؛ حيث أهدر رونالدو عدداً لا يحصى من التسديدات في لحظات حاسمة، في مشهد غريب دفع حتى معلقي قناة "CCTV" للقول إن زملاءه كانوا غاضبين بوضوح من أدائه، لكنهم لم يجرؤوا على الكلام.
ألا تبدو هذه القصة غريبة بعض الشيء؟ نجم عالمي، يقود فريقاً مدججاً بالنجوم، ويقدم إحصائيات مخيبة كهذه! فكيف يمكن لمنتخبٍ كان يطمح للقب، أن يمر بهذا التخبط في تلك اللحظات الحاسمة؟

لكن هذا ليس من قبيل الصدفة. انظر إلى تصنيفات الفيفا قبل آخر خمس نسخ من كأس العالم: تفوقت البرتغال على الأرجنتين في معظم الأحيان. ففي عام 2006، احتلت البرتغال المركز السابع، والأرجنتين المركز التاسع؛ وفي عام 2010، قفزت البرتغال إلى المركز الثالث، بينما بقيت الأرجنتين في المركز السابع؛ وفي عامي 2014 و2018، حافظت البرتغال على مكانها ضمن المراكز الأربعة الأولى، بينما كانت الأرجنتين متأخرة قليلاً. حتى في أكتوبر 2022، عندما تراجعت البرتغال إلى المركز التاسع، كانت الأرجنتين قد صعدت إلى المركز الثالث. التصنيفات لا تكذب؛ فمنتخب البرتغال كان دائمًا قويًا، بل تاريخيًا كان أقوى من منتخب الأرجنتين.
لكن أين تكمن المشكلة؟ يُعدّ المنتخب البرتغالي في كأس العالم 2010 مثالًا مصغرًا على ذلك. لم يكن أيٌّ من لاعبيه قادمًا من دوري أدنى؛ بمقاييس اليوم، يُمكن اعتبارهم فريقًا من نخبة النخبة. لكن كرة القدم ليست لعبة بوكر؛ فالأوراق الرابحة لا تضمن الفوز. في تلك البطولة، لم يُسجّل رونالدو سوى هدف واحد، في الوقت الضائع من المباراة التي انتهت بفوز ساحق 7-0 على كوريا الشمالية. ماذا عن بقية الوقت؟ ضد البرازيل، أهدر مرارًا وتكرارًا تسديدات بعيدة المدى، مُخلًّا تمامًا بإيقاع الفريق. لم يكن الأمر أن زملاءه يفتقرون للمهارة؛ بل كان أنه بمجرد وصول الكرة إلى قدميه، لم يستطع إخراجها من منطقة الجزاء. كان جو الفريق مُضطربًا بشكل واضح؛ حتى التشكيلة المُرصّعة بالنجوم لم تستطع التماسك كوحدة واحدة.
على النقيض من ذلك، لطالما كانت تشكيلات الأرجنتين متوسطة المستوى من حيث النجومية. غالبًا ما تُنتقد خطوط دفاعها وأجنحتها، حيث يُعتبر خط وسطها وحارس مرماها فقط من بين الأفضل. ومع ذلك، تمكنوا من الفوز بكأس العالم 2022. ما هو دور ميسي في ذلك الفريق؟ لم يكن مجرد مهاجم، بل مهاجم حر الحركة، محرك الفريق. كان بإمكانه التراجع إلى الخلف لاستلام الكرة وتنسيق الهجمات، وتمرير الكرات البينية الدقيقة، واستعادة الكرة من بين حشد من اللاعبين. روى مبابي مؤخرًا تجربته في اللعب إلى جانب ميسي في باريس، مشيرًا إلى تفصيل: خلال تدريبات التسديد، كان هو ونيمار يسجلان 6 أو 7 من أصل 10 تسديدات، وهو ما اعتبره الجميع مثيرًا للإعجاب. أما ميسي، فكان بإمكانه تسديد 9 تسديدات متتالية، جميعها في الزاوية نفسها، بسهولة تامة. هذه الدقة والتحكم يتجاوزان قدرة اللاعبين النجوم العاديين.

يتميز كريستيانو رونالدو بخصائص فنية فريدة: فهو مهاجم من الطراز الرفيع داخل منطقة الجزاء. يُعدّ تمركزه، ودقة ضرباته الرأسية، وتسديداته، من المهارات التاريخية. مع ذلك، لا يقتصر معيار "ملك كرة القدم" على تسجيل الأهداف فحسب، بل يتطلب إتقانًا استثنائيًا للتمرير، والتحكم بالكرة، والمراوغة، والتسديد - وهي المهارات الأساسية الأربع. في عام 2019، تصدّر ميسي قائمة أفضل اللاعبين في 19 من أصل 20 إحصائية هجومية في الدوري الإسباني. أما نقاط ضعف رونالدو فهي واضحة أيضًا: فهو يفتقر إلى القدرة الشاملة على دمج التمرير، والتسديد، والمراوغة، والتحكم بالكرة، مما يصعّب عليه تحفيز الفريق بأكمله بمفرده وتغيير مجرى المباراة. باختصار، هو مهاجم بارع، لكنه ليس صانعًا للمنظومة.
يتجلى هذا الفارق بشكلٍ أوضح في الإحصائيات. فقد سجل ميسي 901 هدفًا في مسيرته، بينما سجل رونالدو 965 هدفًا، ما يمنح رونالدو تفوقًا ظاهريًا. ولكن ماذا عن التمريرات الحاسمة؟ يمتلك ميسي أكثر من 400 تمريرة حاسمة، محتفظًا بالرقم القياسي التاريخي. في عام 2012، سجل ميسي 91 هدفًا وصنع 24 هدفًا، مساهمًا بشكل مباشر في 115 هدفًا - وهو رقم قياسي لا يزال مذهلاً حتى اليوم. لا شك أن كفاءة رونالدو التهديفية مرعبة؛ فهو لا يزال يسجل 500 هدف بعد بلوغه سن الثلاثين، لكن كرة القدم ليست مجرد إدخال الكرة في المرمى.

على صعيد المنتخبات الوطنية، شارك كريستيانو رونالدو في 226 مباراة مع البرتغال، مسجلاً 143 هدفاً، وهو رقم قياسي شخصي. مع ذلك، يكشف التدقيق في هذه الأهداف أن العديد منها سُجّل في مرمى منتخبات أضعف. وفي المباريات الحاسمة، غالباً ما يتراجع أداؤه. ففي كأس العالم 2022، خرجت البرتغال من الدور ربع النهائي، حيث لم يسجل رونالدو سوى هدف واحد في خمس مباريات. في المقابل، سجل ميسي 7 أهداف وصنع 3 في كأس العالم 2022، وفاز بالكرة الذهبية، وقاد الأرجنتين عملياً إلى القمة.
تحتل البرتغال حاليًا المركز الخامس عالميًا، بينما تحتل الأرجنتين المركز الثالث. نظريًا، تمتلك البرتغال جيلًا ذهبيًا من اللاعبين مثل برناردو سيلفا، وبرونو فرنانديز، ولياو، وفيليكس، مما يجعل تشكيلتها أقوى من تشكيلة الأرجنتين. وقد أكد كريستيانو رونالدو بنفسه أن كأس العالم 2026 ستكون الأخيرة له. ففي سن الـ41، يحافظ على معدل تهديفي مرتفع في الدوري السعودي، حيث سجل 24 هدفًا في 24 مباراة - انضباطه لا جدال فيه. ومع ذلك، فإن حدة منافسات كأس العالم تختلف تمامًا عن حدة منافسات الدوري السعودي. ويبقى السؤال مطروحًا حول قدرة جسده البالغ من العمر 41 عامًا على تحمل سبع مباريات إقصائية عالية المستوى.

تغير دور كريستيانو رونالدو في المنتخب البرتغالي. فبعد أن كان اللاعب المحوري بلا منازع، أصبح الآن أقرب إلى القائد الروحي والمهاجم الحاسم في اللحظات الحاسمة. الإحصائيات خير دليل: في المباريات الثلاثين التي شارك فيها رونالدو، حقق المنتخب البرتغالي نسبة فوز بلغت 70%، بمتوسط 2.2 هدف في المباراة الواحدة؛ أما في المباريات الست التي غاب عنها، فقد انخفضت نسبة الفوز قليلاً إلى 66.7%، لكن متوسط الأهداف في المباراة الواحدة ارتفع إلى 4.8. ماذا يعني هذا؟ إن قوة هجوم البرتغال لا تعتمد في الواقع على رونالدو وحده؛ بل إنهم يلعبون بأسلوب أكثر انفتاحاً وانسيابية بدونه.
وماذا عن ميسي؟ في التاسعة والثلاثين من عمره، سجل 7 أهداف في 7 مباريات بالدوري الأمريكي، ولم يتراجع مستواه إطلاقاً. ورغم تراجع قوة المنتخب الأرجنتيني بشكل عام مقارنةً بعام 2022 - فقد اعتزل دي ماريا، ولم يعد دي بول في أفضل حالاته، ويتقدم خط الدفاع في السن - إلا أن القيمة التكتيكية لميسي أصبحت أكثر وضوحاً. لم يعد بحاجة لأن يكون القوة الضاربة التي تقطع 10,000 متر في كل مباراة؛ بل يمكنه التركيز أكثر على التمرير والتنظيم وتقديم التمريرة الحاسمة. يتطلب هذا الأسلوب من اللعب جهداً بدنياً أقل، ولكنه يُحدث تأثيراً كبيراً على مجريات المباراة.

إنّ ما يُسمى بـ"النجمين الاستثنائيين" هو في جوهره نتاج العصر التجاري المُحكم لكرة القدم. فقد غذّت هيمنتهما على جائزة الكرة الذهبية لأكثر من عقد من الزمن ضجة إعلامية، وتنافسًا جماهيريًا، واهتمامًا من المستثمرين. لكنّ من يفهم كرة القدم حقًا يدرك أنّ ميسي ورونالدو لاعبان مختلفان تمامًا. أحدهما لاعب محوريّ شامل يُؤثر في جميع جوانب اللعبة، والآخر مُهاجم بارع داخل منطقة الجزاء. إنّ محاولة المقارنة بينهما أشبه بمقارنة موهبة عازف بيانو بعازف طبول - فهما ليسا على نفس المستوى.
في استطلاع أجرته مجلة "كيكر" الألمانية عام 2019، طُلب من 250 لاعبًا في الدوري الألماني (البوندسليغا) التصويت لأفضل لاعب في العالم. حصل ميسي على 68.8% من الأصوات، بينما لم يحصل رونالدو إلا على 12.4%. يتمتع اللاعبون المحترفون بنظرة ثاقبة؛ فهم يعرفون من هو اللاعب الأكثر إثارة للرعب في الملعب. يكمن رعب ميسي في أنه حتى لو كنت تعلم أنه سيتوغل إلى الداخل ويسدد نحو الزاوية البعيدة، فلن تستطيع إيقافه. إن قدرته على تغيير الاتجاه، وإيقاعه، ورؤيته الثاقبة للتمرير، كلها مواهب فطرية لا يمكن اكتسابها بالتدريب.

لا يُمكن إنكار عظمة كريستيانو رونالدو. 967 هدفًا احترافيًا، الهداف التاريخي؛ 111 هدفًا مع منتخب بلاده، صاحب الرقم القياسي؛ خمس جوائز الكرة الذهبية، وخمسة ألقاب في دوري أبطال أوروبا. هذه الإنجازات أسطورية في أي عصر. لكن بين الأسطورة وملك كرة القدم، هوةٌ خفية. هذه الهوة لا تُبنى على أكوام من الألقاب، بل هي نتاج مزيج من المهارة الفنية الشاملة، والسيطرة على مجريات اللعب، والقدرة على قيادة الفريق.
قد تكون بطولة كأس العالم 2026 المحطة الأخيرة لهذين المخضرمين. إذا فازت البرتغال بمعجزة ورفع رونالدو الكأس، فستكون مسيرته بلا شك أكثر إثراءً. لكن هل يُمكن لهذا الكأس أن يُغيّر مكانته التاريخية؟ هل يُمكنه أن يرفعه من مُجرد "مهاجم من الطراز الرفيع" إلى "ملك كرة القدم"؟ عالم كرة القدم قاسٍ أحيانًا؛ فبعض نقاط الضعف فطرية ولا يُمكن التغلب عليها بالعمل الجاد. تمامًا كما لا تتوقع من عداء 100 متر أن يركض ماراثونًا، أو من عداء ماراثون أن يركض 100 متر بأقصى سرعة. كل لاعب يُحقق أفضل ما لديه في مجاله يُعتبر أسطورة بالفعل.

إذن، إليكم السؤال: إذا لم يعد المعيار النهائي لتقييم كرة القدم هو عدد البطولات والإحصائيات، فما الذي يجب أن نستخدمه لقياس عظمة اللاعب؟ هل هي تلك اللحظات المذهلة، أم السحر الذي يغير مجرى المباراة، أم لمجرد أنه رافقنا طوال فترة شبابنا؟
هل تتطلعون إلى أدائه في المستقبل؟
المصدر : موقع سوهو.