لماذا دعم مورينيو بنزيما بقوة (هدف واحد في 9 مباريات) وتجاهل هيغواين (29 هدفًا) قبل 13 عامًا؟
اليوم، وبعد فوز بنزيما بالكرة الذهبية، يقول المشجعون إن مورينيو يتمتع بنظرة ثاقبة. لكن دعونا نعود إلى عام 2010. من كان ليصدق ذلك حينها؟ في ذلك العام، كان هيغواين في أوج عطائه، مسجلاً 29 هدفاً في 40 مباراة مع ريال مدريد؛ أما بنزيما؟ 9 أهداف فقط في 33 مباراة، ووُصف بأنه "مريض". لكن عندما وصل مورينيو، منح بنزيما ثقته الكاملة. وبالنظر إلى الوراء الآن، كان ذلك قراراً غيّر مصير ريال مدريد بشكل جذري.

لماذا؟ كانت البيانات تُرجّح كفة هيغواين بوضوح في ذلك الوقت. علينا أن ننظر إلى ما هو أبعد من البيانات ونفهم ما كان مورينيو يُفكّر فيه حقًا.

لم يرغب مورينيو في مهاجم لا يُجيد سوى تسجيل الأهداف السهلة داخل منطقة الجزاء. عندما تولى تدريب ريال مدريد، كان يواجه برشلونة القوي. احتاج ريال مدريد إلى منظومة قادرة على الهجمات المرتدة السريعة، والضغط العالي، والتمريرات الدقيقة في الهجمات المنظمة. كان كريستيانو رونالدو بلا شكّ نجم الفريق، لكن ما نوع اللاعبين الذين كان يحتاجهم حوله؟ كان هيغواين مهاجمًا من الطراز الرفيع، يتمتع بتمركز ممتاز وتسديدة قوية. لكنه كان بحاجة إلى التمريرات، وكان مركز نشاطه الرئيسي داخل منطقة الجزاء. أما بنزيما فكان مختلفًا؛ إذ كان بإمكانه التراجع إلى الخلف لاستلام الكرة، وحمايتها بظهره للمرمى، وتمرير الكرات الحاسمة إلى رونالدو ودي ماريا.

بصراحة، يرى مورينيو أن بنزيما "كلب صيد" قادر على بذل جهد أكبر، بينما هيغواين "قط" ماهر في اصطياد الفئران، لكن دوره محدود. في ذلك الوقت، عندما كان رونالدو يحتاج إلى مساحة للانطلاق، كان بنزيما يتراجع لاستلام الكرة، مما يجذب مدافعي الخصم للخارج فورًا ويفتح المجال أمام رونالدو للانطلاق من الخلف. قد لا يظهر هذا التأثير "المُسهِّل" بوضوح في الإحصائيات، لكن المدرب كان يدركه تمامًا.

لنتحدث عن الأساس الفني. مدربٌ من طراز مورينيو لا ينظر فقط إلى مستوى اللاعب الحالي، بل إلى إمكاناته الكامنة. يتمتع بنزيما بمهارة قدم رائعة؛ لمسته الأولى دقيقة للغاية، مما يسمح له بخطف الكرة من بين المدافعين. هذه المهارات لا تُكتسب بالتدريب؛ إنها مقومات اللاعب المتميز. كان مورينيو يراهن على أنه بمجرد أن يكتسب بنزيما الثقة ويُحسّن لياقته البدنية، سيكون التحسن الشامل الذي سيُضيفه للفريق أكبر بكثير من تحسن المهاجم الصريح. لذلك، حتى عندما قلّ عدد أهداف بنزيما، دعمه مورينيو علنًا قائلًا: "إنه أفضل لاعب في العالم". كان هذا التصريح بمثابة ضغط وتشجيع في آنٍ واحد.

على النقيض، يتمتع هيغواين بقوة هائلة بلا شك. مع ذلك، في خطة مورينيو، يتداخل دوره إلى حد ما مع دور رونالدو. كلاهما ينتظر اللمسة الأخيرة، فمن سيخلق الفرص؟ من سيربط خط الوسط؟ أمام خصوم أقوياء، يسهل إحباط التكتيكات. طموح ريال مدريد في السيطرة على أوروبا يتطلب مرونة تكتيكية، وترسانة قادرة على التعامل مع مختلف المواقف. بنزيما قادر على اللعب بسرعة أو ببطء، وتسجيل الأهداف، وتنسيق اللعب، مما يجعله أكثر انسجامًا مع استراتيجية بناء الفريق على المدى الطويل.

نعلم جميعًا ما حدث بعد ذلك. رحل هيغواين عام ٢٠١٣، وحجز بنزيما مكانه في التشكيلة الأساسية. وتطوّر تدريجيًا من لاعبٍ مساند إلى لاعبٍ محوري قادر على الاعتماد على نفسه. لا سيما بعد رحيل رونالدو، تألق بنزيما بشكلٍ لافت، وقاد فريقه بمفرده تقريبًا للفوز بلقب دوري أبطال أوروبا عام ٢٠٢٢، مسجلًا ٤٤ هدفًا و١٥ تمريرة حاسمة. حينها فقط أدرك الجميع أن ما رآه مورينيو آنذاك كان النموذج الأمثل لمهاجمٍ عصري متكامل.

يُعدّ نجاح بنزيما مثالًا كلاسيكيًا على المنفعة المتبادلة بين اللاعب والمدرب. استند إصرار مورينيو على رؤيته الثاقبة لتكتيكات كرة القدم المستقبلية. لم يكن بحاجة إلى مهاجم عادي، بل إلى ركيزة أساسية تدعم منظومة الهجوم بأكملها. وقد ردّ بنزيما هذه الثقة بأكثر من عقد من الأداء المتميز، مُثبتًا أن رؤية المدرب العظيم تتجاوز الزمن وتصل إلى جوهر اللعبة. لقد حقق ريال مدريد مكاسب كبيرة في هذه المجازفة التي جمعت بين الموهبة والفعالية.
